مريم والأمومة الإلهية 3

كلام لا يطاق. لهذا السبب كثرت الهرطقات. كلُّ الذين، عبر التاريخ، تنكّروا الأمومة مريم الإلهيَّة، كانوا وكأنَّهم يمزِّقون صفحاتٍ من العهد الجديد، ويشطبون منه آياتٍ وآيات تدلّ بوضوح على أنَّ مريم حبِلت حقّاً بيسوع، وعلى أنَّ يسوع هذا هو القدّوس العظيم ابن العليّ. وإنّما هم، بذلك، يتنكرون للفداء. يقول القديس أرخيلاوس الكِشكريّ(الجيل الثالث) للذين ينكرون صحّة ناسوت المسيح: "إنْ لم يكن المسيح قد وُلد من مريم، فهو دون شكّ لم يتألّم. وإن هو لم يتألم، علينا أن نمحو الصليب. وإن محونا الصليب، أنكرنا القيامة. وإن لم يقم المسيح، فلا قيامة لأحد. وإن لم يكن لأحد قيامة، فلا دينونة، أيضاً. وإن لم يكن من دينونة، فعبَثٌ حفظ الوصايا وقهرُ الذات، بل فلنأكلْ ونشربْ لأنّنا غداً نموت. هذه هي نتائج إنكار ميلاد يسوع من مريم... رجاؤنا كلُّه معلَّق بميلاد يسوع من الطوباوية مريم" (حياة مريم أم يسوع، للأب فرنسيس قنديلا اليسوعي، 1949). في وجه الهرطقة، راح الآباء يعلمون أنّ يسوع إلهٌ قد "حُملَ في بطن مريم"(أغناطيوس الأنطاكي)، وأنّ الملاك بشَّر مريم بأنَّها ستكون "حُبلى بالله" (إيرينايُس).

في الجيل الرابع ومستهلّ الخامس، أصبحت عبارة " طيوتوكوس"(أمّ الله) على جميع الألسنة تقريباً( القديس إسكندر، أُوسابيوس، أثناسيوس، كيريلُّس الأورشليمي، أبيفانُس). وللقديس أمبروسيوس كلامٌ جريء مثل: " حبلى بالكلمة، حاملٌ بالله" Verbo foeta, Deo plena) ).

ولمار افرام هذا النسيد، يقوله بلسان العذراء:

" مُقامُكَ يا بُني ولا أرفع، ولقد شئتَ فجعلتني لك مُقاماً.

تضيق السموات بمجدك، والبتول تحملك.

فليُقبل حزقيال ويشاهدك على رُكبتيّ،

وليركع ساجداً لك،

وليشهدْ أنك أنت من رآه هناك

في الأعالي، على مركبة الكروبين،

وليطوّبني لأجل الذي أحمله".

ويصفها قائلاً:

"العذراء وَلَدتْ بالقداسة ابنها،

وبحليبها أرضعتْ مُغذّي الشعوب،

وعلى رُكبَتَيها حملتْ حامل الكلّ.

بتولٌ وأمٌّ هي: فماذا لا تكون!"

"جبَّارُ العوالم، جبَّارُ القوّات، الخفيُّ بجوهره،

المكتسي باللاهوت، مريم ولدته..."

ثم يوجّه الكلام إلى المسيح، فيقول:

"أمُّك وأختك وعروسك وأمتُك هي التي ولدتك.

ناجتك. عانقتك. قبلتك. مجّدتْ وصلَّت وشكرت.

غذّتك بحليبها. ضمّتك إلى صدرها وهي تداعبك وتبتسم لطفولتك.

وأنت تهتزّ فرحاً، وترضع من حليبها.

لقد حارت بك والدتك، حارت بك حاضنتك، حارت بك خليقتك."

أمّا أثناء الجدل النسطوريّ، فلقد انتفض كيريلُّس الإسكندريّ وقال في مجمع أفسس: "إنّي أعجبُ لمن يتساءلون إن كان يجوز، أو لا يجوز، تسميةُ مريم أمّ الله! إن كان سيدنا يسوع المسيح إلهاً، فكيف من ولدته لا تكون أمّ الله؟ ألا تؤكّد الكتب الموحى بها أنّ كلمة الله صار جسداً، أي اتخذ جسماً ذا نفس عاقلة؟... وعليه، فإنّه يجوز لنا أن ندعو مريم أمَّ المسيح وأمَّ الله معاً، وضعت لا إنساناً مثلنا، بل كلمة الآب، الذي تجسّد وصار إنساناً".

بعد الجيل الخامس ، كانت الاستنتاجات الرائعة، ومنها أنَّ الأمومة الإلهيَّة هي من السموّ بحيث إن مريم تفوق جميع الخلائق حتى الملائكة. يقول يوحنا الدمشقي إنّ هناك، بين أمّ الله وسائر البشر، فرقاً لا حدّ له ويكاد يكون لا متناهياً... ويقول القديس أنسلم: "لقد وهبَ الله مريم ابنه بالذات المساوي له والمولود من قلبه كما لو انه محبةُ ذاته لذاته. وأراد أن يكون له من مريم ابنٌ، لا ابنٌ آخر، بل هو نفسه ابنٌ مشترك له ولها... هذا وإنَّ من كوَّن كلَّ شيء من لا شيء، لم يُرد أن يُعيد، بدون مريم، تكوين ما قد أُفسِد. فالله، إذاً، هو أبو البرايا في وجودها، ومريم أمُّ البرايا في إصلاحها... الله ولَدَ ذلك الذي به كان كلُّ شيء، ومريم وَلَدتْ ذلك الذي به افتُديَ كلُّ شيء."