مريم ام الرب المطيعة - 1

ملاك الرب، يوم البشارة(لو 1\26 ـ 38)،بعد أن دعا مريم لأن تفيض فرحاً ـ هي فيض النعمة ـ قال لها كما كان يقول لموسى، وجِدعون، وإرميا، واسحق، ويشوع بن نون، وداود: ((الربُّ معك!)) معك من أجل الرسالة التي ستُوكَل إليك. ستقوم معاهدةٌ خلاصيّة بين الله وبنيك، لأنّك ستقبضين بيدك على مصير الشعب وخلاصه، كما كان لكلّ من سبقوك: الآباء، موسى، يشوع، داود، ديبوره، يهوديت، أستير... مثلهم، وأحسنَ منهم، ستُجَنَّدين للكفاح الخلاصيّ. لقد ((بلغ ملُْ الزمان))، وها أنت، بنتُ صهيون، معنيّةُ مباشرةً بهذا الكفاح. ولذا فالرب معك وَعْداً وعوناً... ((اضطربتْ)) مريم لهذا الكلام، أكثر من زكريّا الذي بشّره الملاك نفسُه بولادة عجائبيّة. ففي كلام الملاك هذا دعوةٌ فريدةٌ لخلاص الشعب. وفيما اضطراب زكريّا قد أثار فيه ((خوفاً)) استولى عليه، اضطرابُ مريم أثار فيها تبحُّراً في معنى الكلام الذي سمعتْه. وفيما كان اضطراب زكريّا من جرّاء الرؤيا، كان اضطرابُ مريم من جراّء الكلام. ولذا فإنّها، خلافاً لزكريّا، تحفظ الهدوء وتُحاول فهْمَ ذلك السلام الغريب.
((ها أنت تحبلين في البطن))

غريبٌ هو هذا الحشو: ((تحبلين في البطن))! لكنّه متعمّد. إنه تلميحٌ إلى ما جاء في نبوءة صَفَنيا القائل: ((تَرَنَّمي يا ابنة صهيون. إن الرب إلهك في وَسَطك (حرفيّاً، في حشاك)، مقاتلاً ظافراً)) (3\14،17). هذا يعني، عند صَفَنيا، حضورَ الرب في وسط الهيكل المُعادِ بناؤه، حيث صباحاً ومساً يُبْرِز أحكامَه إلى النور)) (5)... ويقول النبي زكريّا، باسم الرب: ((رنّمي وافرحي يا بنت صهيون، فهآءنذا آتي وأسكنُ في وسطك (حرفيّاً في حشاك) )) (2\14، قديماً 1\10)... من لا يرى في ذلك تلميحاً واضحاً إلى خباء المحضر، والغَمام، علامتين لسَكَن الرب وسْطَ شعبه؟ (( تحبلين في البطن.)) لِمَ هذا الحشو المتعمَّد؟ لإثبات العلاقة بين هذا الكلام والنبوءة المِشْيَحيّة التي تُبشِّر بمجيء الرب في وسط شعبه، في الهيكل الذي أعيد بناؤُه. كما وللدلالة على أنّ مريم هي ذلك الهيكل المُعادُ بناؤه، هي ذلك المسكِن الجديد ليهوه، هي ذلك التابوت للعهد الجديد. وعندما تصبح أمّاً للمسيح، يأتي يهوه فيسكن فيها، في حشاها، ((في البطن))...
((وتلدين ابناً يدعى ابنَ الله))

هذا الابن سيكون ((عظيماً))، ليس فقط مثلَ السابق يوحنا المعمدان الذي يكون ((عظيماً أمام الرب))، بل ((عظيم)) بالمطلق، دون إضافة ولا وصف كما في ((عظيم أمام الرب))، أو ((أمام الناس)، أو ((رجل عظيم)). فاستعمال النعت ((عظيم)) بالمطلق يختصّ بالله: ((العظيم)) هو الله. فابنُ مريم هذا سيكون ((عظيماً)) كما هو الله. وإلى ذلك فهو يدعى ((ابنَ العليّ))، لا بالمعنى المجازيّ، كما جرت العادة، منذ سليمان، أن يطبّقوا هذه العبارة على ملوك إسرائيل (مزمور 2\7)، بل بالمعنى الحقيقي، كما يُستدلّ من كونِ القديس لوقا يتأمّل في العمق بما يروي من أحداث. وهذا الابن سيكون ((قدّوساً)). هذه العبارة هي من أقدم التعابير عن ألوهيّة المسيح، كما هو ظاهر في كلام القديس بطرس إلى الشعب اليهوديّ، في الأيّام الأولى للكنيسة: ((لقد أنكرتم أنتم القدّوس، وطلبتم العفوَ لرجلٍ قاتلٍ)) (أ ع 3\14). وقبل ذلك بزمان، كان الشيطان نفسه، بلسان أحد المسكونين، قد اعترف بتلك الألوهيّة، لمّا قال ليسوع: ((ما لنا ولك يا يسوع الناصريّ؟ لقد أتيتَ لتُهلكنا. إنّي أعرف من أنت. أنت قدّوس الله!)) (مر 1\24). وقصارى القول، فإنّ هذا الابن سيكون (ابن الله)، ومريم أمّاً لابن الله، للرب الإله كما ستقول أليصابات (لو 1\43)، للمسيح الرب كما سيقول الملاك للرعاة (2\11)، ((للابن الذي أرسله الله)) والذي ((وُلِد من امرأة)) كما سيقول بولس الرسول (غل 4\4). فهي إذاً ستكون أمّ الله، طالما أنّ من تحبَل به هو إله... أهكذا فهمت مريم كلام الملاك، أي إنّ المولود منها سيكون ابن الله بالمعنى الحقيقيّ والحصريّ؟ أجل... هذه كانت قناعة الآباء مثل يوستينُس وإيرينايُس وترتليانس وأغسطينُس، وتوما الأكويني، وغيرهم. والحال، إنّا لله، في حوارِ يوم البشارة، يعامِل مريم كشخصٍ مسؤول مدعوٍّ إلى إعطاء موافقته، عن بصيرةٍ وعلمٍ بالأمر. ولذا كان لا بدّ من أن ينوّرها بشأن ما هو مطلوبٌ منها الموافقة عليه. فلمّا كان العرض الإلهي لا يقتصر على أمومةٍ بشريّة بل يتناول، قبل هذه، الأمومة الإلهيّة، اقتضى الأمر إدراكاً تاماً لذلك، من قِبَل مريم، كي تستطيع الاختيار الحرّ الواعي والصريح، بفعل إيمانٍ بابن الله الذي سيصير جسداً في حشاها، وليس فقط بصفة ابنها المِشيَحيَّة. فعلُ الإيمان هذا لا بدّ منه، وإلاّ لكانت مريم أمّاً للإله المتجسِّد، مادّيّاً وبيولوجيّاً لا أكثر، أي أمه بدون علمٍ منها! وهل الأمومة المادّيّة أو البيولوجيّة أو اللاصريحة أو من دون إدراك، تُعَدُّ أمومةً حقيقيّة؟.